الشيخ محمد رشيد رضا

6

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والسيادة باسم الدين أو الدنيا . ولا دخل لطبيعة الدين فيها . وقد يؤيد هذا بما يثيره دعاة النصرانية في نفوس المسلمين في هذا الزمان ، وبما بين الدول الاسلامية والنصرانية من البغي والعدوان ، على أنه ليس بين اليهود والمسلمين من ذلك شيء ، ولكن قد يوجد مثله بين مسلمي الهند ومشركيها ، لتعارض مصالحهم ومنافعهم فيها ؛ فعلة العداوة والمودة خارجية لا دينية ولا جنسية . هذا كلام صحيح في جملته لا تفصيله ؛ وينطبق على المختلفين في الدين والمتفقين فيه - فقد حارب نصارى البلقان بعضهم بعضا كما حاربوا العثمانيين ، بل أهل المذهب الواحد من النصارى يحارب الآن بعضهم بعضا كالانكليز والألمان ، وليس هو المراد بالآية ، وإنما القرآن يبين هنا معنى أعلى منه وأعم ، لا خاصا بالتنازع وهو أن العلة الصحيحة لعداوة المعادين ومودة الموادين هي الحالة الروحية التي هي أثر تقاليدهم الدينية والعادية وتربيتهم الأدبية والاجتماعية ، وقد نبه القرآن إلى ذلك في بيان سبب مودة النصارى من هذه الآية . وترك سبب شدة عداوة اليهود والمشركين لأن حالتهم الروحية مبينة في القرآن أتم البيان في عدة سور ؛ ومن أوسعها بيانا لأحوال اليهود هذه السورة وما قبلها من السور الطوال المدنية ، وأوسعها بيانا لأحوال المشركين سورة الأنعام التي تليها وهي من السور المكية . كان اليهود والمشركون مشتركين في بعض الصفات والاخلاق التي اقتضت شدة العداوة للمؤمنين . فمنها الكبر والعتوّ ، والبغي وحب العلوّ ، ومنها العصبية الجنسية ، والحمية القومية ، ومنها غلبة الحياة المادية ، ومنها الأثرة والقسوة ، وضعف عاطفة الحنان والرحمة ، وكان مشركو العرب على جاهليتهم أرق من اليهود قلوبا ، وأكثر سخاء وايثارا ، وأشد حرية في الفكر والاستقلال . وما قدم اللّه ذكر اليهود في الآية الا لإفادة أصالتهم وتمكنهم فيما وصفوا به ، وتبريزهم على مشركي العرب فيه ، وناهيك بما سبق لهم من قتل بعض الأنبياء وإيذاء بعض ، واستحلال أكل أموال غيرهم بالباطل . وأما ما كان من ضلعهم مع المسلمين في البلاد المقدسة والشام والأندلس فإنما كان لأجل تفيؤ ظل عدلهم ، والاستراحة من اضطهاد نصارى تلك البلاد لهم ، فهم لم يعدوا في ذلك عادتهم ، ولم يتركوا ما عرف من